قطب الدين الراوندي
60
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
لها أربعون ألف قرن وأربعون الف رجل ويد ، وبعث ياقوتا من الفردوس الأعلى حتى وضع بين سنام تلك البقرة وأذنها ، فاستقر قدما ذلك الملك على السنام والياقوت ، وان قرون تلك البقرة لمرتفعة من أقطار الأرض إلى تحت العرش ، وان مآخر أنوفها بإزاء بحار الأرض ، فإذا تنفست البقرة مد البحر وإذا قبضت أنفاسها فجزر البحر من ذلك ، ثم خلق لقوائم تلك البقرة صخرة ، وهي التي حكي اللَّه عن لقمان في قوله « يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ » ( 1 ) ، ويزيد مقدار سعة تلك الصخرة سبع مرات على مقدار سبع السماوات وسبع الأرضين ، ثم خلق حوتا وهو الذي أقسم اللَّه به فقال « ن والْقَلَمِ » ( 2 ) والنون الحوت ، وأمر اللَّه تعالى بوضع تلك الصخرة على ظهر ذلك الحوت ، وجعل ذلك الحوت في الماء وأمسك الماء على الريح ، ويحفظ اللَّه الريح بقدرته . فان قيل : أليس اللَّه تبارك وتعالى قادرا على خلق الأشياء لا من شيء وعلى حفظ كل شيء بلا شيء آخر . قلنا : ان اللَّه قادر على ذلك ، وانما خلق هذه الأشياء على هذا التدبير والترتيب والتقدير لما علم أن فيها لطفا لعباده من الثقلين الجن والأنس من المكلفين والملائكة المقربين ، كما أنه يخلق الآدمي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسوها لحما ثم ينشئه خلقا سويا ، واللَّه قادر على خلق الخلائق لا من التراب ولا من الماء ولا من النور ولا من النار ، ثم خلق منها لكون ذلك مصلحة . وهذه السماء معلقة فوقنا بغير عماد ولا علاقة مع عظمها وثقلها ، فهو تعالى خالق ما يشاء كما يشاء . وقوله « ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها » وهذا تمام ما تقدم ، ومعنى الفصلين
--> ( 1 ) سورة لقمان : 16 . ( 2 ) سورة القلم : 1 .